ابو القاسم عبد الكريم القشيري
527
الرسالة القشيرية
التي تصورها بالإضافة إلى حال إحساسه بالمشاهدات وحصول العلوم الضرورية ، ومثاله « 1 » : كالذي يكون في ضوء السراج عند اشتداد الظلمة ، فإذا طلعت الشمس عليه غلبت ضوء السراج . فيتقاصر نور « 2 » السراج بالإضافة إلى ضياء الشمس . فمثال حال النوم كمن هو في ضوء السراج ، ومثال المستيقظ كمن تعالى عليه النهار ؛ فان المستيقظ يتذكر ما كان متصورا له في حال نومه . ثم إن تلك الأحاديث والخواطر التي كانت ترد على قلبه في حال نومه مرة تكون من قبل الشيطان « 3 » ، ومرة من هواجس النفس « 4 » ، ومرة بخواطر الملك « 5 » ، ومرة تكون تعريفا من اللّه عز وجل بخلق تلك الأحوال في قلبه ابتداءا ، وفي الخبر : « أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا » . واعلم أن النوم على أقسام : نوم غفلة ، ونوم عادة ؛ وذلك « 6 » غير محمود ، بل هو معلول « 7 » ؛ لأنه أخو الموت ، وفي بعض الأخبار المروية : « النوم أخو الموت » . وقال اللّه عز وجل : « وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ، وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ « 8 » بِالنَّهارِ » « 9 » وقال تعالى : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها » . « 10 » وقيل : لو كان في النوم خير لكان في الجنة نوم . وقيل : لما ألقى اللّه على آدم النوم في الجنة أخرج منه حواء . وكل بلاء به إنما حصل حين حصلت حواء . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : لما قال إبراهيم لإسماعيل ، عليهما السلام : يا بنى إني أرى في المنام أنى أذبحك قال إسماعيل : يا أبت ، هذا جزاء من نام عن حبيبه ، لو لم تنم لما أمرت بذبح الولد .
--> ( 1 ) أي النائم الرائي . ( 2 ) وفي نسخة ضوء . ( 3 ) فتسمى أحلاما . ( 4 ) فنسمى هاجسا . ( 5 ) فنسمى رؤيا . ( 6 ) أي وكل منهما . ( 7 ) مذموم . ( 8 ) كسبتم . ( 9 ) آية 60 من سورة الأنعام . ( 10 ) آية 42 من سورة الزمر .